الرئيسيةمن نحنأرسل سؤالكالبحث

السؤال / الشبهة: الأمم السابقة والسالفة التي أصابها العذاب وقضي عليها بشكل كامل، ألم يكن من ضمنهم أطفال صغار وحيوانات أبرياء لا دخل لهم في معاصي الآخرين. فلماذا عذب هؤلاء بذنب هؤلاء؟ أليس هذا مخالف لمقتضى العدالة الإلهية؟

متفرقات22 October 2026 · 5 دقيقة · 0 مشاهدة
مقالة من محتوى مركز الدليل العقائدي / فرع البصرة.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
إن الله سبحانه لا يعاقب أحدا على ذنب غيره، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
ومعنى الآية أن الإنسان لا يتحمل ذنب غيره، فلا يجوز أن يعاقب الطفل على كفر أبيه أو معصيته.
ولكن السائل يتصور أن الأطفال والحيوانات قد هلكوا مع الأمم السابقة، وأن الله سبحانه عاقبهم على ذنوب الكبار، إلا أن هذا يحتاج إلى إثبات؛ لأن القرآن الكريم عندما يذكر هلاك أمة من الأمم، لا يذكر بالضرورة أن أطفالها وحيواناتها قد هلكوا معها.
وقد جاء في روايات أئمة الهدى (عليهم السلام) جواب عن هذا السؤال نفسه، فقد سأل عبد الله بن صالح الهروي الإمام الرضا (عليه السلام) عن طوفان نوح، فقال: «لأي علة أغرق الله عز وجل الدنيا كلها في زمن نوح (عليه السلام)؟».
فأجابه الإمام (عليه السلام): «ما كان فيهم الأطفال، لأن الله عز وجل أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاما، فانقطع نسلهم، فلم ينبتوا طفلا فيهم، ما كان الله تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له». ثم بيّن الإمام (عليه السلام) أن الذين أغرقوا كانوا ممن كذبوا نوحا (عليه السلام)، أو رضوا بتكذيبه. [علل الشرائع، للشيخ الصدوق، ج1، ص30، الباب الثالث والعشرون، الحديث الأول].
فالإمام (عليه السلام) لم يقبل القول بوجود أطفال بين الذين نزل عليهم العذاب في زمن نوح، بل أجاب بأن نسل القوم قد انقطع قبل الطوفان، فلم يكن بينهم أطفال حين نزل العذاب. وأما الحكم، وهو أن الله سبحانه لا يعاقب الأطفال بذنوب آبائهم، فقد ورد التصريح به عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قوله: «ولا يأخذ الله عز وجل البريء بالسقيم، ولا يعذب الله تعالى الأطفال بذنوب الآباء، ولا تزر وازرة وزر أخرى». [عيون أخبار الرضا، للشيخ الصدوق، ج2، ص132].
وهو واضح في أن الطفل لا يتحمل ذنب أبيه، ولا يعاقبه الله سبحانه على معصية لم يرتكبها. وقد بيّن القرآن الكريم أن الله سبحانه كان ينجي المؤمنين عندما ينزل العذاب على أقوامهم، كما في قصة قوم لوط، حيث قال جل وعلا: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35].
فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه لم يهلك جميع من كان موجودا في موضع العذاب، بل أنجى المؤمنين. ولذلك لا يصح الاعتقاد بأن كل من عاش بين القوم الظالمين قد هلك معهم.
وأما الذين لم يرتكبوا المعصية بأيديهم، ولكنهم رضوا بها وأيدوا أصحابها، فقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) سبب شمول العذاب لهم، فقال: «وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا». [نهج البلاغة، الخطبة 201، ص319].
فالذي قتل الناقة كان رجلا واحدا، ولكن قومه رضوا بفعله، فشملهم العذاب. وهذا لا يشمل الأطفال الذين لا يتخذون معاصي آبائهم موقفا من الرضا والتأييد.
وأما الحيوانات، فهي غير مكلفة، ولا ترتكب المعاصي التي يرتكبها الإنسان، ولذلك لا يصح القول إن الله سبحانه عاقب الحيوانات على كفر أصحابها.
وقد تسأل فتقول: إذا كانت الحيوانات بريئة، فلماذا تموت عند نزول العذاب على الظالمين؟
والجواب: إن موت الحيوان لا يعني أنه عوقب على ذنب؛ لأن الحيوانات تموت بسبب المرض والحريق والفيضانات وغيرها، ولا يقول أحد إن كل حيوان يموت يكون مستحقا للعقوبة. نعم، قد يتألم الحيوان قبل موته.
وهنا يأتي السؤال: هل يترك الله سبحانه ذلك الألم من غير عوض؟
أجاب الشيخ المفيد (قده) عن هذه المسألة في كتاب «أوائل المقالات»، فقال: «وأقول: إنه واجب في جود الله تعالى وكرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الآلام في دار الدنيا، سواء كان ذلك الألم من فعله ـ جل اسمه ـ أم من فعل غيره؛ لأنه إنما خلقها لمنفعتها فلو حرمها العوض على آلامها لكان قد خلقها لضررها، والله جل عن خلق شيء لمحض الضرر، وإيلامه لغير نفع يوصله إليه، لأن ذلك لا يقع إلا من سفيه ظالم، والله سبحانه عدل كريم حكيم عالم. فأما الاقتصاص منها فغير جائز؛ لأنها غير مكلفة ولا مأمورة ولا عالمة بقبح القبيح، والقصاص ضرب من العقوبة وليس بحكيم من عاقب غير مكلف ولا منته عن فعل القبيح. ولو جاز الاقتصاص من بعضها لبعض لجاز عقابها على جناياتها على بعض، ولوجب ثوابها على إحسانها إلى ما أحسنت إليه من بعض، وذلك كله محال. وهذا مذهب كثير من أهل العدل وقد خالف فيه بعضهم وجماعة من سواهم». [أوائل المقالات، للشيخ المفيد، ص110].
ومعنى كلام الشيخ المفيد (قده) أن الله سبحانه يعوض الحيوان عما أصابه من ألم، سواء كان بسبب حادثة طبيعية أم بسبب اعتداء الإنسان عليه، فلا يكون ما أصابه من ألم قد ذهب من غير عوض.
وقد تقول: إذا كان الله قادرا على إنقاذ الأطفال والحيوانات، فلماذا لا ينقذهم جميعا من الحوادث التي يهلك فيها الظالمون؟
والجواب: أن الله سبحانه لم يجعل الحياة الدنيا دائمة لأحد، بل جعل لكل حي أجلا ينتهي عنده عمره. فقد يموت الطفل بسبب المرض، وقد يموت بسبب الفيضانات، وقد يموت مع أبيه في حادثة واحدة، ولا يعني ذلك أن الطفل يعاقب على ذنب أبيه.
فلو مات رجل ظالم مع طفله في حادثة غرق، فهل يجوز أن نقول إن الطفل عوقب على ظلم أبيه؟ من الواضح أن الجواب هو النفي؛ لأن اشتراكهما في الموت لا يعني اشتراكهما في الذنب.
وهذا هو الفرق الذي ينبغي الالتفات إليه في محل السؤال؛ فإن موت الطفل عند نزول العذاب على قومه، لا يعني بالضرورة أن الله سبحانه عاقبه على كفر قومه. ثم إن الطفل الذي يموت لا تنتهي حياته بالموت، بل ينتقل إلى الآخرة، والله سبحانه لا يظلمه ولا يضيع حقه. فلا يصح الحكم بأن الطفل قد ظلم لأنه مات صغيرا، لأن الحياة الدنيا ليست غاية أمر الإنسان.
ونخلص من جميع ذلك إلى أن السائل يعتقد أن الأطفال والحيوانات قد ماتوا مع جميع الأمم التي نزل عليها العذاب، ثم تصور أن موتهم كان عقوبة لهم على ذنوب غيرهم، وبنى على هذين الأمرين اعتراضه على العدالة الإلهية.
والصحيح أن القرآن الكريم لم يثبت هلاك الأطفال والحيوانات في كل حادثة، وقد ورد في شأن قوم نوح أنهم لم يكونوا موجودين عند نزول الطوفان، كما ذكر القرآن الكريم نجاة المؤمنين من قوم لوط.
ولو ثبت أن بعض الأطفال والحيوانات قد ماتوا عند نزول العذاب على الظالمين، فلا يلزم من ذلك أنهم عوقبوا على ذنوب غيرهم؛ لأن الموت لا يدل بنفسه على استحقاق العقوبة، وما يصيب البريء من ألم لا يضيعه الله سبحانه.
فبيّن لنا أن هلاك الأمم الظالمة لا يثبت أن الله سبحانه عاقب أطفالها وحيواناتها بذنوب المكلفين البالغين، وأن الله سبحانه لا يظلم أحدا، كما قال عز من قائل: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.

المراجع والمصادر

يمكن إدارة النص والمصادر والمراجع من لوحة تحكم المالك.

تابع جديد المركز

فعّل الإشعارات لتصلك المسائل والزيارات والإصدارات والمواد الجديدة فور نشرها، من دون إنشاء حساب.