الرئيسيةمن نحنأرسل سؤالكالبحث

السؤال/ الشبهة: هل يُحرم ولد الزنا من الجنّة بذنب أبويه؟ لماذا لا يدخل ابن الزنا الجنة، أو لا يجوز تقديمه للصلاة وهو لم يرتكب ذنبا بنفسه، وإنما ذنب والديه؟

الفقه والشريعة22 October 2026 · 5 دقيقة · 0 مشاهدة
مقالة من محتوى مركز الدليل العقائدي / فرع البصرة.
الجواب
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
للجواب عن السؤال ينبغي التفريق بين الحكمين؛ فإن القول بحرمان ولد الزنا من الجنة بسبب ولادته قد استند فيه بعض الفقهاء إلى روايات وقع الخلاف في اعتبارها ودلالتها، ولم يثبت ما يوجب حرمانه من الجنة إذا كان مؤمنًا عاملاً بالصالحات.
وأما عدم جواز تقديمه لإمامة الجماعة، فهو حكم فقهي دلّت عليه روايات خاصة، ولا يستلزم أن يكون ولد الزنا كافرًا أو مذنبًا أو مستحقًا للعقاب؛ فإن الشارع قد يشترط في إمام الجماعة أموراً زائدة على صحة الإيمان والعبادة.
فلا يصح جعل الحكمين عقوبة على زنا الأبوين؛ إذ لم يثبت دليل الحرمان من الجنة، وأما المنع من إمامة الجماعة فله دليله الخاص، ولا يدل على فساد إيمان ولد الزنا أو مؤاخذته بفعل غيره.
ولبيان ذلك نذكر أدلة كل حكم، وما أُورد عليها، ثم كلمات الفقهاء في المسألة.
أولًا: أدلة القائلين بعدم دخول ولد الزنا الجنة ومناقشتها الدليل الأول: رواية (أنت شر الثلاثة).
روى الشيخ الصدوق عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، مرفوعًا إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، أن ولد الزنا يقول: ((يا رب ما ذنبي، فما كان لي في أمري صنع))، فيأتيه الجواب: ((أنت شر الثلاثة، أذنب والداك فنبت عليهما، وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر)) [علل الشرائع، ج2، ص564، الباب363، الحديث الثاني].
ووجه الاستدلال إن وصف ولد الزنا بالرجس، واشتراط الطهارة لدخول الجنة، يدلان بحسب ظاهر الرواية على حرمانه من دخول الجنة بسبب ولادته.
ونوقش هذا الاستدلال بأن الرواية ضعيفة السند؛ فقد ضعّف النجاشي "محمد بن سليمان الديلمي"، بقوله: ((ضعيف جدًا لا يعول عليه في شيء)) لتنقيح المقال، للمامقاني، ج3، ص١٢٣]، وطعن في أبيه أيضًا، فضلا عن كون الرواية مرفوعة. ثم إن الولد لم يرتكب الزنا، ولم يكن له اختيار في ولادته، فلا يصح جعله مستحقًا للعقاب بسبب فعل أبويه.
الدليل الثاني: رواية سائح بني إسرائيل
روي عن أبي خديجة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن كان أحد من أولاد الزنانجا لنجا سائح بني إسرائيل)). ثم ذكر أن السائح كان عابدًا، فقيل له: ((إن ولد الزنا لا يطيب أبدًا ولا يقبل اللّٰه منه عملًا))، فخرج يقول: ((ما ذنبي؟)) [المحاسن، للبرقي، ج1، ص109-108، الحديث
100].
ووجه الاستدلال إن الرواية نفت النجاة عن ولد الزنا، مع كون السائح عابدًا، فيستفاد منها أن عبادته لا تنفعه بسبب ولادته.
ونوقش بأن عبارة ((لا يقبل اللّٰه منه عملًا)) وردت حكاية عما قيل للسائح، من غير بيان القائل. وأما صدر الرواية، فظاهره نفي النجاة، غير أن حمله على حرمان المؤمن المطيع من الجنة يحتاج إلى دليل يصح الاعتماد عليه في مقابل الوعد القرآني.
وقد ناقش المحقق آغا ضياء الدين العراقي الرواية بقوله: ((ثم من الذي قال لهذا المسكين: أن إعماله لا تقبل لذنب اقترفه أبواه: حتى هاج في وجه الأرض؟!)) [شرح تبصرة المتعلمين، كتاب القضاء، ص302].
الدليل الثالث: رواية طهارة الولادة
روى الصدوق عن سعد بن عمر الجلاب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن اللّٰه تعالى خلق الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلا من طابت ولادته)). [علل الشرائع، ج2، ص564، الباب 363، الحديث الأول].
ووجه الاستدلال إن الرواية ظاهرة في اشتراط طهارة المولد لدخول الجنة.
ونوقش بأنه لم يثبت اعتبار سند الرواية، إذ في طريقها من لم تثبت وثاقته. وأما دلالتها على الحصر فهي ظاهرة، غير أن الحكم بحرمان المؤمن من الجنة لا يثبت بمجرد رواية لم تتم حجيتها، ولا سيما مع قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْحُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]. فهذه الآية تثبت الوعد بدخول الجنة للمؤمن العامل بالصالحات، ولا يصح إخراج ولد الزنا المؤمن من حكمها بغير دليل معتبر .
ثانيًا: أقوال فقهاء الإمامية في صحة إيمانه
قال المحقق الحلي في "المعتبر"، ردًّا على من حكم بكفر ولد الزنا: ((ونحن نمنع ذلك ونطالبه بدليل دعواه. ولو ادعى الإجماع - كما ادعاه بعض الأصحاب - كانت المطالبة باقية، فإنا لا نعلم ما ادعاه)) [المعتبر، ج1، ص98].
فالمحقق الحلي لم يقبل دعوى كفر ولد الزنا، ولا الإجماع المدعى عليها.
وقال السيد عبد اللّٰه شبر في "مصابيح الأنوار": ((هذا الخبر بظاهره لا يوافق قانون العدلية، وما عليه العدلية من أن ولد الزناكسائر الناس مكلف بأصول الدين وفروعه، ويجرى عليه أحكام المسلمين مع إظهار الإسلام، ويثاب على الطاعات، ويعاقب على المعاصي)) [مصابيح الأنوار في حل لشكلات الأخبار، للسيد عبد اللّه شبر، ج١، ص٣٥٨].
وبيّن أن مؤاخذته بما لم يختره مخالفة للعدل؛ فإن كان مختارًا استحق الثواب على الطاعة، وإن لم يكن مختارًا لم يصح عقابه.
وقال صاحب جواهر الكلام: ((وليس من الكافر ولد الزنا قطعًا)) [جواهر الكلام، ج6، ص68]. وهذه الكلمات تدفع دعوى أن ولد الزناكافر بسبب ولادته، وتؤيد صحة إسلامه وإيمانه إذا تحقق منه الاعتقاد المعتبر شرعًا.
وقال السيد محسن الحكيم (قدس سره) في المستمسك، عند الكلام في طهارة ولد الزنا من المسلمين: ((كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيها إلا من الصدوق والسيد والحلي . بناء منهم على كفره)). [مستمسك العروة الوثقى، ج1، ص385]. ثم ناقش الأخبار المستدل بها على نجاسته وكفره، ولم يقبل دلالتها على خلاف الحكم بالطهارة.
ويستفاد من كلامه (قدس سره) أن القول بطهارة ولد الزنا هو المشهور بين فقهاء الإمامية شهرة عظيمة، وأن منشأ الخلاف يرجع إلى دعوى كفره، وهي دعوى لم يثبتها بتلك الأخبار.
وناقش السيد الخوئي (قدس سره) في بحوث الطهارة الأخبار التي استُدل بها على كفر ولد الزنا ونجاسته، ومنها الأخبار الواردة في ذمه وعدم دخوله الجنة، ثم انتهى إلى قوله: ((فالصحيح أن ولد الزنا محكوم بالطهارة والإسلام)) [فقه الشيعة - كتاب الطهارة - دروس في فقه الشيعة ألقاها السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي، ج٣، ص١٢٩]. وكلامه (قدس سره) صريح في رفض الحكم بكفر ولد الزنا بسبب ولادته، وأن ما ورد في ذمه لا يثبت خروجه عن الإسلام. وورد في "التعليقة على العروة الوثقى" للسيد السيستاني (دام ظله)، في مبحث النجاسات، المسألة 198، قوله: ((الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين سواء كان من طرف أو طرفين، بل وإن كان أحد الأبوين مسلماً كما مر))، كما ورد في "المسائل المنتخبة"، في شروط إمام الجماعة: ((طهارة المولد، فلا يجوز الائتمام بولد الزنا)).
يتضح أن السيد السيستاني (دام ظله) يحكم بطهارة ولد الزنا من المسلمين، وفي الوقت نفسه يشترط طهارة المولد في إمام الجماعة.
ثالثًا: الرواية المثبتة لثواب ولد الزنا وعقابه
روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن ولد الزنا يُستعمل إن عمل خيرًا جُزِيَّ بِه وإن عمل شرًا جُزِيَّ بِه)). [الكافي، ج8، ص238، الحديث322].
وقد استدل بها المحقق العراقي، ووصف سندها بالصحة، ثم قال: ((هذا الحديث الشريف نص في مساواة ولد الزنا مع غيره في التكليف والثواب والعقاب، وهو موافق لأصول المذهب ولعموم الكتاب والسنة القطعية، فهو الحجة وغيره ساقط لا محالة)). [شرح تبصرة المتعلمين، كتاب القضاء، ص304].
ويُستفاد من الرواية أن الجزاء تابع لعمل ولد الزنا، فيثاب على طاعته ويعاقب على معصيته، ولا تكون ولادته سببًا لسقوط ثواب أعماله.
رابعًا: دليل عدم جواز تقديمه لإمامة الجماعة
روى الكليني عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي)) [الكافي، ج3، ص375]، كما ورد في صحيحة زرارة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا)) [الكافي، ج3، ص376].
وجه الاستدلال بالروايتين أنهما تدلان على عدم جواز تقديم ولد الزنا لإمامة الجماعة، ولذلك اشترط مشهور فقهاء الإمامية طهارة المولد في الإمام.
ونوقش بأن المنع من إمامة الجماعة لا يدل على الكفر أو استحقاق العقوبة؛ فإن الرواية ذكرت المجذوم والأبرص أيضًا، مع إمكان كونهما مؤمنين صالحين. فالحكم متعلق بأهلية الشخص لإمامة المصلين، ولا يدل على فساد اعتقاده، كما أن المنع من إمامة ولد الزنا لا يعني بطلان صلاته؛ فإن صلاته تصح مع استكمال شروطها، وإنما لا يصح اقتداء الآخرين به.
تحصل من جميع ما تقدم أن ولد الزنا لا يحمل ذنب أبويه؛ فإن آمن وعمل صالحًا شمله الوعد الإلهي بالثواب، وإن عصى حوسب على معصيته.
وأما فقدانه شرط طهارة المولد في إمامة الجماعة، فلا يجعل منه مذنبًا ولا يمنع صحة إيمانه.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى اللّٰه وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

المراجع والمصادر

يمكن إدارة النص والمصادر والمراجع من لوحة تحكم المالك.

تابع جديد المركز

فعّل الإشعارات لتصلك المسائل والزيارات والإصدارات والمواد الجديدة فور نشرها، من دون إنشاء حساب.