السؤال/ الشبهة: إذا كان الله يعلم خاتمة الإنسان فلماذا يأمره أن يغير ما في نفسه؟ السائل = كرار الامارة السؤال = إذا كان الله تعالى يعلم بخاتمة امر الانسان فلماذا يطلب من الأنسان ان يغير ما في نفسه؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام. لا توجد منافاة بين علم الله سبحانه بخاتمة الإنسان وبين أمره بالطاعة والتوبة وتغيير الحال؛ لأن علم الله سبحانه بما سيفعله الإنسان لا يعني أنه تعالى أجبره على فعله. فالله سبحانه يعلم أن هذا الإنسان سيطيع باختياره، ويعلم أن ذاك سيعصي باختياره، ويعلم أن آخر سيبقى مدة على المعصية ثم يتوب، كما يعلم أن شخصاً آخر سيستمر على معصيته. فعلمه سبحانهبجميع ذلك سابق على وقوعه، من غير أن يسلب الإنسان اختياره، ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]. فالآية تدل على أن ما يصدر من الإنسان من أقوال وأفعال له أثر في حاله، وأن الله سبحانه لم يجعل الإنسان مجبوراً على الطاعة أو المعصية، بل أمره ونهاه، وجعل له أن يطيع أو يعصي. وقد قال الشيخ الطبرسي في تفسير الآية: ((إن الله لا يغير ما بقوم من النعمة، حتى يغيروا ما بأنفسهم من الطاعة، فيعصون ربهم، ويظلم بعضهم بعضاً)) [مجمع البيان، للشيخ الطبرسي، ج6، ص19]. وقد يُقال: إذا كان الله سبحانه يعلم أن فلاناً سيتوب، فلماذا يأمره بالتوبة؟
مقالة من محتوى مركز الدليل العقائدي / فرع البصرة.
الجواب: أن الله عزّ وجل يعلم أن هذا الشخص سيتوب باختياره. فالتوبة التي تقع منه هي نفسها مما علم الله سبحانه أنه سيفعله. فعلمه تعالى بالتوبة لا يجبره عليها، كما أن علمه بالمعصية لا يجبره على المعصية. وكذلك إذا علم الله سبحانه أن شخصاً يموت وهو عاصٍ، فليس معنى ذلك أن الله أجبره على المعصية، بل علم أنه سيختار المعصية ويترك التوبة.
وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: ((لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين))، وأوضح ذلك بضرب مثال لرجل رأى رجلاً على معصية فنهاه عنها فلم ينته، وتركه فارتكب المعصية، فقال (عليه السلام): ((فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية)) [الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص160].
ومعناه أنك إذا نهيت شخصاً عن عمل، فاختار أن يفعله، لم تكن أنت الذي أجبرته عليه. وكذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - فقد أمر الإنسان بالطاعة ونهاه عن المعصية، فإذا اختار الإنسان المعصية لم يكن الله سبحانه قد أجبره عليها.
وجاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((إن الله عز وجل لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة... فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه)) [التوحيد، للشيخ الصدوق، ص361].
فهذه الرواية صريحة في أن الإنسان لا يطيع الله سبحانه مكرهاً، ولا يعصيه مكرهاً، وأنَّ وقوع المعصية منه لا يعني أن الله عزّ وجل هو الذي أدخله فيها. كما أن الله سبحانه يعلم أن مريضاً سيشفى إذاتداوى. فهل يصح أن يُقال: ما دام الله يعلم أنه سيشفى فلا حاجة إلى الدواء؟
والجواب: لا يصح ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم أنه سيشفى بالتداوي.
فكذلك يعلم الله سبحانه أنَّ إنساناً سيحسن حاله بالتوبة، وأن آخر سيصل إلى الطاعة بعد أن يغيّر ما في نفسه. فالتوبة والطاعة والتغيير هي أفعال تقع من الإنسان، وعلمُ الله عزّ وجل بها لا يُلغيها.
ويضاف إلى ذلك أن الإنسان لا يعلم ما تكون عليه خاتمته. فلا يستطيع أن يقول: إن الله يعلم أنني من أهل الجنة فلا حاجة إلى الطاعة، ولا يستطيع أن يقول: إن الله يعلم أنني من أهل النار فلا فائدة من التوبة؛ لأنه لا يعلم ما سبق في علم الله سبحانه بشأن خاتمته.
والذي يعلمه الإنسان هو أن الله تبارك وتعالى أمره بالطاعة، ونهاه عن المعصية، وفتح له باب التوبة، ووعد التائبين بالمغفرة. فعليه أن يعمل بما أمره الله سبحانه به.
فيتلخص مما تقدم أن الله سبحانه يعلم ما سيختاره الإنسان من غير أن يجبره على اختياره. فإن اختار التوبة، فقد علم الله سبحانه بتوبته قبل وقوعها، وإن اختار المعصية فقد علم الله سبحانه بمعصيته قبل وقوعها. فقوله عزّ من قائل: {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، لا ينافي علمه السابق، لأن هذا التغيير نفسه معلوم لله سبحانه قبل أن يقع.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
مركز الدليل العقائدي – فرع البصرة
مهدي الجابري الموسوي
وقد بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: ((لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين))، وأوضح ذلك بضرب مثال لرجل رأى رجلاً على معصية فنهاه عنها فلم ينته، وتركه فارتكب المعصية، فقال (عليه السلام): ((فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية)) [الكافي، الشيخ الكليني، ج1، ص160].
ومعناه أنك إذا نهيت شخصاً عن عمل، فاختار أن يفعله، لم تكن أنت الذي أجبرته عليه. وكذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - فقد أمر الإنسان بالطاعة ونهاه عن المعصية، فإذا اختار الإنسان المعصية لم يكن الله سبحانه قد أجبره عليها.
وجاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((إن الله عز وجل لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة... فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن الله عنها صاداً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه)) [التوحيد، للشيخ الصدوق، ص361].
فهذه الرواية صريحة في أن الإنسان لا يطيع الله سبحانه مكرهاً، ولا يعصيه مكرهاً، وأنَّ وقوع المعصية منه لا يعني أن الله عزّ وجل هو الذي أدخله فيها. كما أن الله سبحانه يعلم أن مريضاً سيشفى إذاتداوى. فهل يصح أن يُقال: ما دام الله يعلم أنه سيشفى فلا حاجة إلى الدواء؟
والجواب: لا يصح ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم أنه سيشفى بالتداوي.
فكذلك يعلم الله سبحانه أنَّ إنساناً سيحسن حاله بالتوبة، وأن آخر سيصل إلى الطاعة بعد أن يغيّر ما في نفسه. فالتوبة والطاعة والتغيير هي أفعال تقع من الإنسان، وعلمُ الله عزّ وجل بها لا يُلغيها.
ويضاف إلى ذلك أن الإنسان لا يعلم ما تكون عليه خاتمته. فلا يستطيع أن يقول: إن الله يعلم أنني من أهل الجنة فلا حاجة إلى الطاعة، ولا يستطيع أن يقول: إن الله يعلم أنني من أهل النار فلا فائدة من التوبة؛ لأنه لا يعلم ما سبق في علم الله سبحانه بشأن خاتمته.
والذي يعلمه الإنسان هو أن الله تبارك وتعالى أمره بالطاعة، ونهاه عن المعصية، وفتح له باب التوبة، ووعد التائبين بالمغفرة. فعليه أن يعمل بما أمره الله سبحانه به.
فيتلخص مما تقدم أن الله سبحانه يعلم ما سيختاره الإنسان من غير أن يجبره على اختياره. فإن اختار التوبة، فقد علم الله سبحانه بتوبته قبل وقوعها، وإن اختار المعصية فقد علم الله سبحانه بمعصيته قبل وقوعها. فقوله عزّ من قائل: {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، لا ينافي علمه السابق، لأن هذا التغيير نفسه معلوم لله سبحانه قبل أن يقع.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
مركز الدليل العقائدي – فرع البصرة
مهدي الجابري الموسوي
المراجع والمصادر
يمكن إدارة النص والمصادر والمراجع من لوحة تحكم المالك.
