الرئيسيةمن نحنأرسل سؤالكالبحث

السؤال / الشبهة : هل تبلغ محبة أمير المؤمنين (ع) حدّ قتل النفس؟ انتشرت مسالة الانتحار حتى اصبحت ظاهرة خطيرة تطال فئة كبيرة من المجتمع وخاصة شريحة الشباب ذكور وإناث، وظاهر الأمر ان بعض دوافع هذه الظاهرة دينية عقائدية ومنها ما يسمى بالقربان حيث يساهم البعض في قرعة ومن يظهر اسمه فيها عليه قتل نفسه قربان لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، اثباتا لحبه وولائه سلام اللّٰه عليه. منظركم هل هذه الدوافع حقيقة وهي ان يصل الإنسان إلى الذوبان في حب علي عليه السلام حتى يصل الأمر الى ان يقتل الإنسان نفسه وما هي نتائج قتل النفس التي حرم اللّه سبحانه وتعالى، واذا ثبت ذلك ام لم يثبت كيف تعالج هذه المسالة الخطيرة في المجتمع المسلم.

الفقه والشريعة22 October 2026 · 5 دقيقة · 0 مشاهدة
مقالة من محتوى مركز الدليل العقائدي / فرع البصرة.
الجواب
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لا شك أن محبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الإيمان، وقد تبلغ بالإنسان مبلغاً عظيماً، حتى يكون مستعداً لبذل نفسه في نصرته والدفاع عنه. غير أن بذل النفس في سبيل اللّٰه يختلف عن قتل الإنسان نفسه بدعوى المحبة؛ فإن الأول يكون في مورد أذن به اللّٰه عزّ وجل، وأما الثاني فهو من المحرمات التي نهى اللّٰه سبحانه عنها وتوعّد فاعلها بالعذاب، فقال جلّ شأنه:
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء: 29]، وقال بعد ذلك: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } [النساء:30].
ومحبة أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تجعل الإنسان مأذوناً في مخالفة أحكام اللّٰه جلّ وعلا، ولا تكون شدة المحبة سبباً لجواز ما حرّمه اللّٰه سبحانه؛ لأن الإمام المعصوم لا يأمر بمعصية اللّٰه ولا يرضى بها.. فدعوى التقرب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتل النفس تستلزم نسبة الرضا بالمعصية إليه، وهذا ينافي عصمته وما نعتقده في مقام الإمامة. فالذي يقتل نفسه بهذا الاعتقاد لا يكون قد امتثل أمراً للإمام، وإنما يكون قد ارتكب فعلاً محرّماً، ثم نسبه إلى محبة الإمام من دون دليل.. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((هلك في رجلان محب غال ومبغض قال)). [نهج البلاغة، الحكمة 117، ص489].
والمعنى أن المحبة قد تحمل صاحبها على تجاوز الحق إذا لم يلتزم بما أمر اللّه سبحانه به. وقد جاء عنه (عليه السلام) أيضاً: ((وسيهلك في صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق)) [نهج البلاغة، الخطبة 127، ص184].
وأما القول بأن بعض الأشخاص يبلغون من شدة محبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حد قتل أنفسهم.. فإن وقوع ذلك ممكن؛ فقد يعتقد الإنسان اعتقاداً فاسداً، ثم يقدم على فعل محرّم وهو يظن أنه من أعظم الطاعات. إلا أن صدق الإنسان في محبته لا يدل على صحة اعتقاده أو فعله. لذلك فإن الانتحار ليس دليلاً على صحة العقيدة، حتى لو ثبت أن المحبة كانت الدافع إلى الإقدام عليه.
وأما عاقبة الانتحار، فقد روى الشيخ الكليني في "الكافي" أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها)). [الكافي، ج7، ص45]. وهذا الوعيد يدل على شدة حرمة الانتحار وعظم الجناية فيه.
هذا، ولم يثبت في الإسلام تشريع قتل الإنسان نفسه قرباناً لله سبحانه أو لأحد أنبيائه وأوصيائه. وقد عرف التاريخ تقديم البشر قرابين عند بعض الأمم التي عبدت الأصنام وغيرها من الآلهة الباطلة، اعتقاداً منها أن ذلك يجلب رضا آلهتها أو يدفع غضبها.
وقد ذكر الشيخ جعفر السبحاني في كتاب "سيد المرسلين"، ما نصه: ((وجرت عادة بعض القبائل آنذاك أن تختار من بين أفرادها كل سنة شخصا في مراسيم خاصة ثم تذبحه عند أقدام أصنامها، وتقبر جسده على مقربة من المذبح)) [سيد المرسلين، ج1، ص55] .
فقد كان تقديم الإنسان قرباناً معروفاً في بعض الطقوس الوثنية.. ومجرد تسمية القتل قرباناً لا يغيّر حقيقته ولا يجعله مشروعاً.
ومن منطلق المسؤولية فإننا نحذر الشباب أشدّ التحذير من الانتماء إلى هذه الجماعات المتطرفة، أو مجرد الاستجابة لدعواتها والجلوس مع من ينتمون إليها؛ فقد وقفنا على معلومات خطيرة تفيد بأن الشاب قد يقع في شباكهم منذ اللقاء الأول، حين يُظهر استحسانه لأفكارهم أو استعداده لمجاراتهم، فيسعون إلى معرفة تفاصيل حياته وأسماء أفراد أسرته وعنوان سكنه، حتى إذا جاءت القرعة ووقع الاختيار عليه، ثم تردد في قتل نفسه أو امتنع عن التنفيذ، هددوه بقتل أبيه أو إخوته، فيجد نفسه أمام تهديد خطير يدفعه إلى تنفيذ ما يطلبونه خوفاً على أهله.
وهنا ينبغي أن يعلم الشباب أن المسألة، وفق هذه المعلومات، لا تقف عند نشر اعتقاد فاسد، بل قد تصل إلى التهديد والابتزاز والإكراه على قتل النفس..
لذلك نحن نحذّر كل شاب وفتاة من الاستهانة باللقاء الأول أو مجاراة أصحاب هذه الدعوات بدافع الفضول؛ فإن من يسعى إلى خداعك باسم محبة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم يهددك بقتل أهلك، لا يريد بك خيراً ولا يدعوك إلى دين، وإنما يريد إيقاعك في الهلاك. وإذا تعرض أحد لمثل هذا التهديد، فلا ينبغي أن يستسلم له أو ينفذ ما يُطلب منه، وعليه أن يخبر أهله ومن يثق بهم، وأن يلجأ إلى الجهات الأمنية لحماية نفسه وأسرته.
فاحذر ممن يستدرجك باسم الدين، ولا تجعل الفضول سبباً لوقوعك في أيدي من لا يتورعون عن تهديد حياتك وحياة أهلك.
وقبل ذلك قف واسأل نفسك، وإن لم تعرف الجواب فاسأل أباك:
هل شرّع اللّٰه سبحانه أن يقتل الإنسان نفسه قرباناً لأحد من خلقه؟
وهل ورد في شريعة الإسلام أو الشرائع السابقة أن محبة الأنبياء والأوصياء تثبت بقتل الإنسان نفسه؟ ثم اسأل نفسك سؤالاً آخر: لماذا لا تشمل قرعة الموت الأشخاص الذين يشرفون عليها ويدعون الشباب إليها؟ ولماذا لا يقتلون أنفسهم قرباناً أمام الناس، ليكونوا قدوة لمن يدعونهم إلى ذلك؟ فإن كانوا يعتقدون أن قتل النفس من أعظم القربات، فلماذا يطلبون من الشباب ما لا يفعلونه بأنفسهم؟ ولماذا يبقى أصحاب الدعوة أحياء، بينما يموت من صدّقهم واتبعهم؟ ألا يدعوك هذا إلى الشك في صدق دعواهم والتفكير في الغاية التي يريدون الوصول إليها؟
واحذر أن تنخدع بمن يتقرب إليك باسم الدين ومحبة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فقد يستغل أصحاب هذه الدعوات وجودهم في المساجد والحسينيات والمآتم لكسب ثقة الشباب، ويتجنبون مناقشة الكبار، ويتوجهون إلى صغار السن ممن يسهل التأثير عليهم.
فلا تستغرب وجود أحدهم في مسجد أو حسينية أو مجلس عزاء، ولا تجعل وجوده في هذه الأماكن دليلاً على صحة اعتقاده أو سلامة مقصده؛ فإن حرمة المكان لا تمنح كل من يرتاده صفة الورع والتقوى، ولا تجعل كل ما يقوله حقا وصدقا.
فانتبه جيداً، ولا تسمح لأحد أن يستدرجك إلى لقاءات خاصة أو يأخذ معلوماتك ومعلومات أسرتك، ولا تخف من إخبار أبيك أو من تثق به إذا حاول أحد إقناعك بهذه الأفكار أو هددك.
واعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يحتاج إلى موتك لتثبت محبتك له، وإنما يريد منك أن تكون مطيعاً لله سبحانه.. فاحذر ممن يجعل محبة الإمام وسيلة لخداعك، ومن يتخذ الأماكن المقدسة طريقاً للوصول إليك؛ فهذه وسيلته لاستدراجك وإيقاعك في شباكه.
فلا تنخدع بتسمية القتل قرباناً، ولا تظن أن كل ما أُلبس لباس الدين صار من الدين؛ فإن العبرة بما أمر اللّٰه سبحانه به، لا بالأسماء التي يضعها الناس لأفعالهم. واحذر ممن يريد أن يجعلك قرباناً، بينما يبقى هو حياً يشرف على موتك باسم محبة أمير المؤمنين (عليه السلام ).
وأما عن مسؤولية الأسرة، ولا سيما الأب والأم؛ فإن من أعظم الأخطاء أن يترك الوالدان أبناءهما من دون متابعة أو تربية دينية، وأن يُسمح للشاب بالخروج متى شاء، والعودة في ساعات متأخرة من الليل، من دون أن يسأله أحد: أين كنت؟ ومع من جلست؟ ومن هم الأشخاص الذين ترافقهم؟ وما الأفكار التي تسمعها منهم؟
فهل تنحصر مسؤولية الأب في توفير الطعام والملبس والمال، ثم يترك ولده عرضة لكل من يريد خداعه؟ وهل يكفي أن تحرص الأم على صحة ولدها وطعامه وراحته، ثم لا تعرف مع من يجلس، ولا ما يتعلمه، ولا من يؤثر في اعتقاده وسلوكه؟ إن مسؤولية الوالدين لا تنتهي بتوفير حاجات الأبناء المادية، بل تشمل تربيتهم وتعليمهم أحكام دينهم، وحمايتهم من أصحاب العقائد الفاسدة، ومعرفة من يصاحبون ومن يأخذون عنه أفكارهم. قال اللّه تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارَا} [التحريم:6]. فكيف يطلب اللّه سبحانه من المؤمن أن يقي أهله النار، ثم لا يهتم بمعرفة من يصاحب ولده، ومن بدعوه إلى أفكار قد تنتهي بقتله؟
وينبغي أن تكون علاقة الأب والأم بأبنائهما قائمة على الثقة وحسن المعاملة، حتى يستطيع الشاب أن يخبرهما إذا تعرض لدعوة مشبوهة أو تهديد، من غير خوف من الضرب أو الإهانة.
فلا تنتظر حتى تفقد ولدك، ثم تسأل: من الذي خدعه؟ وأين تعرّف على هؤلاء؟ اسأل عنه وهو بين يديك، واعرف أصحابه، واستمع إلى مشكلاته، وعلّمه دينه قبل أن يأتي من يعلّمه الباطل باسم الدين.
فإن من المؤلم أن يعرف الغرباء تفاصيل حياة الشاب وأسرته ومكان سكنه، بينما لا يعرف أبوه وأمه أسماء الأشخاص الذين يرافقهم ولا حقيقة ما يدور بينهم،
لذا، فإن حماية الأبناء تبدأ من داخل البيت، بالتربية الدينية الصحيحة، والمتابعة الحكيمة، وحسن المعاملة، لا بعد وقوع المصيبة وفوات فرصة إنقاذهم.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى اللّٰه وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

المراجع والمصادر

يمكن إدارة النص والمصادر والمراجع من لوحة تحكم المالك.

تابع جديد المركز

فعّل الإشعارات لتصلك المسائل والزيارات والإصدارات والمواد الجديدة فور نشرها، من دون إنشاء حساب.