هل ستكون دولة الإمام المهدي (عليه السلام) إسلامية أم إنسانية؟ نص السؤال/الشبهة: هل ستكون دولة الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إسلامية أم إنسانية؟ وهل سيكون الدين أساسًا للحكم فيها؟ وهل سيدخل أصحاب الديانات الأخرى في الإسلام والمذهب الجعفري؟ وهل الاعتقاد بذلك من التعصب المذهبي الذي ذمه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53، الروم: 32]؟
مقالة من محتوى مركز الدليل العقائدي / فرع البصرة.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفی، محمد وآله المطهرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
إن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية، قائمة على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، ويعم عدلها جميع الناس. ومن الخطأ جعل إسلامية الدولة في مقابل العدل؛ لأن الإسلام والعدل لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث يكون الحكم بالإسلام على الوجه الذي أمر الله سبحانه به، يكون الحكم بالعدل، وحيث يقع الظلم تكون هناك مخالفة لأحكام الإسلام، وإن كان الحاكم مسلما. وهذا أمر ينبغي الالتفات إليه قبل البحث عن صفة دولة الإمام (عليه السلام)؛ لأن الإسلام ما جاء ليقيم حكمًا للمسلمين يُباح فيه ظلم غير المسلمين، بل أوجب العدل بين الناس جميعا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فإن الله عز وجل أوجب الحكم بالعدل بين الناس، ولم يجعل اختلاف الدين موجبا لسقط حق الإنسان في العدل. بل قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فأمر سبحانه بالعدل حتى مع من يبغضهم الإنسان.
إذن، فإن إسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تقابل إنسانيتها من جهة العدل وحفظ الحقوق؛ لأن العدل الذي سيقيمه الإمام (عليه السلام) هو حكم من أحكام الإسلام نفسه. فالإمام (عليه السلام) لا يكون عادلاً بترك أحكام الدين، بل يكون عادلاً بإقامتها على الوجه الذي أراده الله عز وجل.
ويمكن أن يقال: إن جعل العدل في مقابل الإسلام يستلزم أمرا لا يصح الالتزام به، وهو أن أحكام الإسلام لا تكفي لإقامة العدل، وأن الإمام المهدي (عليه السلام) يحتاج إلى تركها ليحكم بين الناس بالعدل. وهذا مخالف لما دل عليه القرآن الكريم من الأمر بالحكم بما أنزل الله سبحانه، قال عز من قائل: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مأمورا بالحكم بما أنزل الله سبحانه، فكيف يصح القول بأن الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو خليفته والقائم بإحياء دينه، ستكون دولته قائمة على غير ذلك الدين؟
ويؤكد هذا المعنى ما رواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام، عن محمد بن مسلم، قال: ((سألت أبا جعفر عليه السلام عن القائم إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يظهر الإسلام. قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله؟
قال: أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل)) [تهذيب الأحكام، ج 6، ص 154، ح 270].
وقد نقله الحر العاملي في وسائل الشيعة، بإسناد الشيخ الطوسي عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير ومحمد بن عبد الله بن هلال، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم. [وسائل الشيعة، ج 11، ص 57]. ورجال طريق جعفر بن بشير عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم من الموثقين.
وقد استدل بهذا الخبر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في "أنوار الفقاهة"، في بحثه المتعلق بأحكام الإمام القائم (عليه السلام). [ينظر: أنوار الفقاهة، ص 79].
والرواية صريحة في محل الكلام؛ فإن الإمام الباقر (عليه السلام) سئل عن كيفية حكم القائم (عليه السلام) بين الناس، فأجاب بأنه يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام، ثم بين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبطل أحكام الجاهلية واستقبل الناس بالعدل، وأن القائم (عليه السلام) يفعل كذلك.
فالإمام الباقر (عليه السلام) جمع بين إظهار الإسلام وإقامة العدل، وجعل كليهما من سيرة القائم (عليه السلام). وعليه، فإن إسلامية دولته (عليه السلام) وشمول عدلها هما من صفات دولته الثابتة بالنصوص.
وأما ظهور الإسلام في دولته، فقد قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. فالآية تدل على أن الله سبحانه يظهر دين الحق الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سائر الأديان.
وقد ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ارتباط تمام هذا الظهور بقيام الإمام المهدي (عليه السلام)، كما ورد في خبر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الكافي، الذي نص على أن القائم يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام. [ينظر: الكافي، ج 1، ص 432].
وأما اعتناق أصحاب الديانات الأخرى للإسلام، فينبغي التمييز بين ظهور الإسلام على سائر الأديان وبين دخول جميع أهل الأرض فيه. فإن ظهور دين الإسلام وثبوت حكمه على الأرض لا يستلزم بالضرورة اعتناق كل إنسان له؛ لأن ظهور الدين أمر، ودخول الناس فيه أمر آخر.
وقد ورد في أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل على دخول أهل الأديان في الإسلام، كما ورد ما يدل على بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام). فقد روى محمد بن جعفر المشهدي في المزار، ص 135، عن أبي بصير، أنه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن أهل الذمة عند القائم، فقال: ((يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون)) [المزار، ص 135]. وهذا الخبر ظاهر في بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام) وإجراء أحكام أهل الذمة عليهم.
وقد تعرض الشيخ الطبرسي (ره) لهذه المسألة في "إعلام الورى"، فقال في رد دعوى أن القائم لا يقبل الجزية من أهل الكتاب: ((أنا لم نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو مقطوع به)) [إعلام الورى، ج 2، ص 310].
وكلام الشيخ الطبرسي (ره) صريح في أن عدم قبول الجزية من أهل الكتاب عند ظهور الإمام (عليه السلام) ليس من الأمور الثابتة عنده. فلا يصح جعل دعوى انتهاء جميع الأديان واعتناق جميع أهل الأرض الإسلام أمراً مقطوعاً به.
والذي تثبته الأدلة هو أن الإسلام يظهر في دولة الإمام (عليه السلام)، وأن حكمه يكون بما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن دعوته تشمل الناس جميعاً.
وأما القول بأن جميع أهل الأديان سيصبحون مسلمين، فليس ذلك لازما لظهور الإسلام، ولم يثبت من الأخبار المذكورة حصول ذلك لجميع أهل الأرض.
وأما المذهب الجعفري، فإن الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين تعتقد الشيعة الإمامية بعصمتهم ووجوب طاعتهم، وأنهم المبيتون لأحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن الواضح أن الإمام المهدي (عليه السلام) لا يدعو الناس إلى اعتقاد يخالف ما بيّنه أئمة أهل البيت (عليه السلام)؛ لأنه واحد منهم، وقوله حجة كما أن أقوال آبائه الطاهرين (عليهم السلام) حجة.
وأما اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري، فقد يستدل بما رواه الشيخ النعماني في كتاب "الغيبة"، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث النداء السماوي: ((لا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع، وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته)). ثم ذكر (عليه السلام) أن إبليس ينادي بخلاف ذلك، فقال: ((فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق، وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرءون منا ويتبرأوننا)) [الغيبة، النعماني، ص 267-268].
فهذه الرواية وإن دلت على إيمان أهل الأرض بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته عند سماع النداء السماوي، فإن ذيلها صريح في أن بعض الناس يرتابون ويتبرؤون من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وعليه، فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية على اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري؛ لأن الرواية نفسها تثبت وجود من يرفض الحق الذي يدعو إليه الإمام (عليه السلام).
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ على الاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) من التعصب المذهبي، فهو استدلال في غير محله؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]. فهذه الآيات تأمر باتباع الدين الحق، وتذم من فرقوا دينهم واتبعوا ما عندهم من غير حجة.
وجاء عن الشيخ الطبرسي في "مجمع البيان"، في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: ((كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون))، ثم نقل قولاً آخر: ((كل فريق بدينهم معجبون مسرورون، يظنون أنهم على حق)) [مجمع البيان، ج 8، ص 60].
فليست الآية في مقام ذم من اتبع الحق وآمن بصحته، وإنما جاءت في ذم التفرق في الدين والاغترار بما عليه أهل البطل.
إن اعتقاد الإنسان بصحة دينه لا يدل على التعصب؛ فإن المسلم يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، ويعتقد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبي مرسل من عند الله سبحانه.
فلو كان الاعتقاد بصحة الدين موجبا للذم، لزم أن يكون الإيمان بالإسلام نفسه من التعصب المذموم، بل يلزم من ذلك أن يكون ما دعا إليه الأنبياء (عليهم السلام) من الإيمان بدين الله سبحانه وترك ما خالفه، داخلاً في الذم المذكور، مع أن الله عز وجل أرسلهم لإقامة الحجة ودعوة الناس إلى الحق.
ومن ذلك يظهر لنا وجه الخطأ في الاستدلال بالآية؛ فإن القرآن الكريم لا يذم المؤمن لاعتقاده بصحة ما أنزل الله سبحانه، وإنما يذم من يتمسك باعتقاده مع مخالفته للحق. والفرق بين الأمرين واضح؛ لأن صحة الاعتقاد تثبت بالدليل، لا بانتساب الإنسان إلى طائفة، كما أن مخالفته لاعتقاد الآخرين لا تجعله باطلاً.
فنحصل لنا من جميع ما ذكرناه أن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية عادلة، تقوم على أحكام الإسلام التي أوجب الله سبحانه فيها العدل بين الناس جميعا، ويظهر فيها الإسلام على سائر الأديان، ويجب على الناس الإيمان بإمامته (عليه السلام واتباعه.
وأما اعتناق جميع أهل الأرض الإسلام والمذهب الجعفري، فقد ورد في بعض الروايات ما يدل على وجود من يرتاب ويرفض اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يثبت إيمان جميع الناس بمذهبهم. والاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) فهو من مقتضيات إمامته وقيامه بأمر الله عز وجل، وقد قامت عليه الأدلة الشرعية، فلا يصح الاستدلال بالآية التي ذمت التفرق في الدين على وصف هذا الاعتقاد بالتعصب المذهبي.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفی، محمد وآله المطهرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
إن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية، قائمة على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، ويعم عدلها جميع الناس. ومن الخطأ جعل إسلامية الدولة في مقابل العدل؛ لأن الإسلام والعدل لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث يكون الحكم بالإسلام على الوجه الذي أمر الله سبحانه به، يكون الحكم بالعدل، وحيث يقع الظلم تكون هناك مخالفة لأحكام الإسلام، وإن كان الحاكم مسلما. وهذا أمر ينبغي الالتفات إليه قبل البحث عن صفة دولة الإمام (عليه السلام)؛ لأن الإسلام ما جاء ليقيم حكمًا للمسلمين يُباح فيه ظلم غير المسلمين، بل أوجب العدل بين الناس جميعا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فإن الله عز وجل أوجب الحكم بالعدل بين الناس، ولم يجعل اختلاف الدين موجبا لسقط حق الإنسان في العدل. بل قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فأمر سبحانه بالعدل حتى مع من يبغضهم الإنسان.
إذن، فإن إسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تقابل إنسانيتها من جهة العدل وحفظ الحقوق؛ لأن العدل الذي سيقيمه الإمام (عليه السلام) هو حكم من أحكام الإسلام نفسه. فالإمام (عليه السلام) لا يكون عادلاً بترك أحكام الدين، بل يكون عادلاً بإقامتها على الوجه الذي أراده الله عز وجل.
ويمكن أن يقال: إن جعل العدل في مقابل الإسلام يستلزم أمرا لا يصح الالتزام به، وهو أن أحكام الإسلام لا تكفي لإقامة العدل، وأن الإمام المهدي (عليه السلام) يحتاج إلى تركها ليحكم بين الناس بالعدل. وهذا مخالف لما دل عليه القرآن الكريم من الأمر بالحكم بما أنزل الله سبحانه، قال عز من قائل: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مأمورا بالحكم بما أنزل الله سبحانه، فكيف يصح القول بأن الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو خليفته والقائم بإحياء دينه، ستكون دولته قائمة على غير ذلك الدين؟
ويؤكد هذا المعنى ما رواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام، عن محمد بن مسلم، قال: ((سألت أبا جعفر عليه السلام عن القائم إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يظهر الإسلام. قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله؟
قال: أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل)) [تهذيب الأحكام، ج 6، ص 154، ح 270].
وقد نقله الحر العاملي في وسائل الشيعة، بإسناد الشيخ الطوسي عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير ومحمد بن عبد الله بن هلال، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم. [وسائل الشيعة، ج 11، ص 57]. ورجال طريق جعفر بن بشير عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم من الموثقين.
وقد استدل بهذا الخبر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في "أنوار الفقاهة"، في بحثه المتعلق بأحكام الإمام القائم (عليه السلام). [ينظر: أنوار الفقاهة، ص 79].
والرواية صريحة في محل الكلام؛ فإن الإمام الباقر (عليه السلام) سئل عن كيفية حكم القائم (عليه السلام) بين الناس، فأجاب بأنه يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام، ثم بين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبطل أحكام الجاهلية واستقبل الناس بالعدل، وأن القائم (عليه السلام) يفعل كذلك.
فالإمام الباقر (عليه السلام) جمع بين إظهار الإسلام وإقامة العدل، وجعل كليهما من سيرة القائم (عليه السلام). وعليه، فإن إسلامية دولته (عليه السلام) وشمول عدلها هما من صفات دولته الثابتة بالنصوص.
وأما ظهور الإسلام في دولته، فقد قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. فالآية تدل على أن الله سبحانه يظهر دين الحق الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سائر الأديان.
وقد ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ارتباط تمام هذا الظهور بقيام الإمام المهدي (عليه السلام)، كما ورد في خبر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الكافي، الذي نص على أن القائم يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام. [ينظر: الكافي، ج 1، ص 432].
وأما اعتناق أصحاب الديانات الأخرى للإسلام، فينبغي التمييز بين ظهور الإسلام على سائر الأديان وبين دخول جميع أهل الأرض فيه. فإن ظهور دين الإسلام وثبوت حكمه على الأرض لا يستلزم بالضرورة اعتناق كل إنسان له؛ لأن ظهور الدين أمر، ودخول الناس فيه أمر آخر.
وقد ورد في أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل على دخول أهل الأديان في الإسلام، كما ورد ما يدل على بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام). فقد روى محمد بن جعفر المشهدي في المزار، ص 135، عن أبي بصير، أنه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن أهل الذمة عند القائم، فقال: ((يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون)) [المزار، ص 135]. وهذا الخبر ظاهر في بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام) وإجراء أحكام أهل الذمة عليهم.
وقد تعرض الشيخ الطبرسي (ره) لهذه المسألة في "إعلام الورى"، فقال في رد دعوى أن القائم لا يقبل الجزية من أهل الكتاب: ((أنا لم نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو مقطوع به)) [إعلام الورى، ج 2، ص 310].
وكلام الشيخ الطبرسي (ره) صريح في أن عدم قبول الجزية من أهل الكتاب عند ظهور الإمام (عليه السلام) ليس من الأمور الثابتة عنده. فلا يصح جعل دعوى انتهاء جميع الأديان واعتناق جميع أهل الأرض الإسلام أمراً مقطوعاً به.
والذي تثبته الأدلة هو أن الإسلام يظهر في دولة الإمام (عليه السلام)، وأن حكمه يكون بما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن دعوته تشمل الناس جميعاً.
وأما القول بأن جميع أهل الأديان سيصبحون مسلمين، فليس ذلك لازما لظهور الإسلام، ولم يثبت من الأخبار المذكورة حصول ذلك لجميع أهل الأرض.
وأما المذهب الجعفري، فإن الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين تعتقد الشيعة الإمامية بعصمتهم ووجوب طاعتهم، وأنهم المبيتون لأحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن الواضح أن الإمام المهدي (عليه السلام) لا يدعو الناس إلى اعتقاد يخالف ما بيّنه أئمة أهل البيت (عليه السلام)؛ لأنه واحد منهم، وقوله حجة كما أن أقوال آبائه الطاهرين (عليهم السلام) حجة.
وأما اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري، فقد يستدل بما رواه الشيخ النعماني في كتاب "الغيبة"، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث النداء السماوي: ((لا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع، وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته)). ثم ذكر (عليه السلام) أن إبليس ينادي بخلاف ذلك، فقال: ((فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق، وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرءون منا ويتبرأوننا)) [الغيبة، النعماني، ص 267-268].
فهذه الرواية وإن دلت على إيمان أهل الأرض بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته عند سماع النداء السماوي، فإن ذيلها صريح في أن بعض الناس يرتابون ويتبرؤون من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وعليه، فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية على اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري؛ لأن الرواية نفسها تثبت وجود من يرفض الحق الذي يدعو إليه الإمام (عليه السلام).
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ على الاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) من التعصب المذهبي، فهو استدلال في غير محله؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]. فهذه الآيات تأمر باتباع الدين الحق، وتذم من فرقوا دينهم واتبعوا ما عندهم من غير حجة.
وجاء عن الشيخ الطبرسي في "مجمع البيان"، في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: ((كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون))، ثم نقل قولاً آخر: ((كل فريق بدينهم معجبون مسرورون، يظنون أنهم على حق)) [مجمع البيان، ج 8، ص 60].
فليست الآية في مقام ذم من اتبع الحق وآمن بصحته، وإنما جاءت في ذم التفرق في الدين والاغترار بما عليه أهل البطل.
إن اعتقاد الإنسان بصحة دينه لا يدل على التعصب؛ فإن المسلم يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، ويعتقد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبي مرسل من عند الله سبحانه.
فلو كان الاعتقاد بصحة الدين موجبا للذم، لزم أن يكون الإيمان بالإسلام نفسه من التعصب المذموم، بل يلزم من ذلك أن يكون ما دعا إليه الأنبياء (عليهم السلام) من الإيمان بدين الله سبحانه وترك ما خالفه، داخلاً في الذم المذكور، مع أن الله عز وجل أرسلهم لإقامة الحجة ودعوة الناس إلى الحق.
ومن ذلك يظهر لنا وجه الخطأ في الاستدلال بالآية؛ فإن القرآن الكريم لا يذم المؤمن لاعتقاده بصحة ما أنزل الله سبحانه، وإنما يذم من يتمسك باعتقاده مع مخالفته للحق. والفرق بين الأمرين واضح؛ لأن صحة الاعتقاد تثبت بالدليل، لا بانتساب الإنسان إلى طائفة، كما أن مخالفته لاعتقاد الآخرين لا تجعله باطلاً.
فنحصل لنا من جميع ما ذكرناه أن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية عادلة، تقوم على أحكام الإسلام التي أوجب الله سبحانه فيها العدل بين الناس جميعا، ويظهر فيها الإسلام على سائر الأديان، ويجب على الناس الإيمان بإمامته (عليه السلام واتباعه.
وأما اعتناق جميع أهل الأرض الإسلام والمذهب الجعفري، فقد ورد في بعض الروايات ما يدل على وجود من يرتاب ويرفض اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يثبت إيمان جميع الناس بمذهبهم. والاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) فهو من مقتضيات إمامته وقيامه بأمر الله عز وجل، وقد قامت عليه الأدلة الشرعية، فلا يصح الاستدلال بالآية التي ذمت التفرق في الدين على وصف هذا الاعتقاد بالتعصب المذهبي.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
المراجع والمصادر
يمكن إدارة النص والمصادر والمراجع من لوحة تحكم المالك.
